مجمع البحوث الاسلامية
312
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
3 ، وإذا ثبت أنّ البيع عامّ فهو مخصّص بما ذكرناه من الرّبا ، وغير ذلك ممّا نهي عنه ومنع العقد عليه ، كالخمر والميتة وحبل الحبلة وغير ذلك ممّا هو ثابت في السّنّة ، وإجماع الأمّة النّهي عنه . ونظيره فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ التّوبة : 5 ، وسائر الظّواهر الّتي تقتضي العمومات ويدخلها التّخصيص ، وهذا مذهب أكثر الفقهاء . وقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الّذي فسّر بالمحلّل من البيع وبالمحرّم ، فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلّا أن يقترن به بيان من سنّة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإن دلّ على إباحة البيوع في الجملة دون التّفصيل ، وهذا فرق ما بين العموم والمجمل . فالعموم يدلّ على إباحة البيوع في الجملة والتّفصيل ما لم يخصّ بدليل . والمجمل لا يدلّ على إباحتها في التّفصيل حتّى يقترن به بيان . والأوّل أصحّ ، واللّه أعلم . والبيع في اللّغة : مصدر باع كذا بكذا ، أي دفع عوضا وأخذ معوّضا . وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزّل منزلته ، ومبتاعا وهو الّذي يبذل الثّمن ، ومبيعا وهو المثمون ، وهو الّذي يبذل في مقابلته الثّمن ؛ وعلى هذا فأركان البيع أربعة : البائع ، والمبتاع ، والثّمن ، والمثمّن . ثمّ المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه ؛ فإن كان أحد المعوّضين في مقابلة الرّقبة سمّي بيعا ، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة ؛ فإن كانت منفعة بضع سمّي نكاحا ، وإن كانت منفعة غيرها سمّي إجارة ، وإن كان عينا بعين فهو بيع النّقد وهو الصّرف ، وإن كان بدين مؤجّل فهو السّلم ، وسيأتي بيانه في آية الدّين . وقد مضى حكم الصّرف ، ويأتي حكم الإجارة في « القصص » وحكم المهر في النّكاح في « النّساء » كلّ في موضعه إن شاء اللّه تعالى . والبيع : قبول وإيجاب ، يقع باللّفظ المستقبل والماضي ؛ فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية ، ويقع بالصّريح والكناية المفهوم منها نقل الملك . فسواء قال : بعتك هذه السّلعة بعشرة ، فقال : اشتريتها ، أو قال المشتري : اشتريتها ، وقال البائع : بعتكها ، أو قال البائع : أنا أبيعك بعشرة ، فقال المشتري : أنا أشتري أو قد اشتريت ، وكذلك لو قال : خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بورك لك فيها بعشرة أو سلّمتها إليك - وهما يريدان البيع - فذلك كلّه بيع لازم . ولو قال البائع : بعتك بعشرة ثمّ رجع قبل أن يقبل المشتري ، فقد قال « 1 » : ليس له أن يرجع حتّى يسمع قبول المشتري أو ردّه ، لأنّه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها ، وقد قال ذلك له ، لأنّ العقد لم يتمّ عليه . ولو قال البائع : كنت لاعبا ، فقد اختلفت الرّواية عنه « 2 » ؛ فقال مرّة : يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله . وقال مرّة : ينظر إلى قيمة السّلعة ، فإن كان الثّمن يشبه قيمتها فالبيع لازم ، وإن كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار بدينار علم أنّه لم يرد به البيع ، وإنّما كان هازلا فلم يلزمه . ( 3 : 356 ) أبو حيّان : الإشارة ب « ذلك » إلى ذلك القيام المخصوص بهم في الآخرة ، ويكون مبتدأ والمجرور الخبر ،
--> ( 1 ) أي مالك . ( 2 ) أي عن مالك .